ابراهيم بن عمر البقاعي

9

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

العظمة غائِبِينَ * أي مطلقا ولا عن أحد من الخلق بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ومقتضى ما لنا من صفات الكمال ، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن يكون إلها . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 8 إلى 11 ] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ [ الأنعام : 152 ] الآية إلى المساواة الحقيقة في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي ، والنص في قوله تعالى وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] على قدرة القدير على ذلك ، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه ؛ أكد الأمر أيضا وقصره على علمه هنا فقال : وَالْوَزْنُ بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف اللّه في القلوب العلم به ، ولعله حال من نون العظمة في الآية التي قبلها ، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي ؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه : « الْوَزْنُ » مبتدأ يَوْمَئِذٍ ظرف منصوب به الْحَقُّ خبر المبتدأ ، زاد الأصفهاني فقال : واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] - انتهى . أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق ، يطابقه الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلا ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك ، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب ، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من أنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع ، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع ، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أو شك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار أثر الغضب .